عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي

174

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز

« نقول » ، فنفى جميع القول إلا قولا واحدا ، وقوله : « اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ » والتقدير : ما نقول قولا إلا هذه المقالة ، أي : إلا مقالتنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ، والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ، فيجوز أن يذكر الفعل ، ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأقوال ، فقوله : « اعتراك » مستثنى من المصدر الذي دل عليه « نقول » ؛ كقوله عز وجل : أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى [ الصافات : 58 - 59 ] فنصب « موتتنا » على الاستثناء ؛ لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دلّ عليه قوله : « بميتين » . ومما جاء من ذلك في الظرف قوله تعالى : وَيَوْمَ نحشرهم كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ [ يونس : 45 ] ، ومثله : إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [ طه : 104 ] ، و إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [ طه : 103 ] . ومما جاء من ذلك في الحال قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 112 ] ، والتقدير : ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل من اللّه ، وهذا أصل كبير لا بد للعالم النحرير من رعايته ، فافهمه وقس عليه . قال ابن قتيبة « 1 » : عراني كذا واعتراني ؛ إذا ألمّ بي . ومنه قيل لمن أتاك يطلب نائلك : عار . ومنه قول النابغة : أتيتك عاريا خلقا ثيابي * على خوف تظنّ بي الظّنون « 2 » ومعنى الكلام : ما نقول إلا أن بعض آلهتنا خبلك ومسّك بجنون لسبّك إياها وعداوتك لها ، فأظهر لهم قلّة المبالاة بها وبهم ، قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي

--> ( 1 ) تفسير غريب القرآن ( ص : 204 - 205 ) . ( 2 ) البيت للنابغة . انظر : ديوانه ( ص : 126 ) ، واللسان : مائدة : ( عرا ) ، وزاد المسير ( 4 / 118 ) .